خبرة في سلة المهملات
يجول..ويجول,يجوب الشوارع بحثا عنه كالإبرة في كومة
قش .يمشي المسكين ويديه مكبلتين بالأوراق وعينيه مسمرتين على جدران المكتبات ..
كل ما يستطيع فعله هو أن يتصفح الجرائد كل صباح منذ أن تخرج من
الجامعة.لكنه كان أحيانا يريح نفسه بحل الكلمات المتقاطعة او بقراءة عمود شوف
تشوف.
اليوم وهو يقرا الجريدة كعادته
صادف إعلانا صغيرا:شركة استثمارية جديدة تطلب موظفين أكفاء حاصلين على شواهد عليا
في التسيير والتدبير..انتفض من مكانه وراح يدون العنوان والوثائق المطلوبة ...
رن المنبه على الساعة السادسة
صباحا , استيقظ أو بالأحرى تململ من مكانه لأنه
لم ينم بل قضى الليل جله يستذكر
التعاريف والمعلومات التي غدت مملة بالنسبة إليه.
هاهو من جديد أمام مندوب الشركة
يستعد للمقابلة..سأله ذلك الشخص الضخم القابع خلف مكتب فخم والمدسوس في بذلة زرقاء راقية وربطة عنق تعكس الضوء في عيني
الشاب المسكين .
*ماهي الشهادة التي حصلت عليها ؟
أجابه الشاب وعينيه في الأرض.
*إجازة في التسيير والتدبير.
لمحه الضخم بنظرة تجمع بين الشفقة
والسخرية.
*هل سبق أن عملت في إحدى الشركات الكبرى
؟.
*لا..
*لأنك تحتاج إلى الخبرة ,وشركتنا لن تخاطر بسمعتها في تكوينك
*فهمتك ولكني متأكد من كفاءتي وهذه أوراقي
تشهد على ذلك .ووضع رزمه أوراق يتناثر منها الغبار على المكتب .
*اترك أوراقك ورقم هاتفك و سنتصل بك
حتما.
*شكرا لك.
انطوى الشاب على هم عميق واخد يغالب ثورة النفس التي اندلع لهيبها وانتشر
أثرها بين جوانبه و ضلوعه وغادر الشركة وهو يعلم في قرارة نفسه أنها كسابقاتها
تزرع الوهم وتحصد خيبة الأمل .
رن هاتفه أخيرا ,أسرع متأملا وأجاب
..
*نعم؟.
*أين أنت يا رجل؟ كنت أحاول أن
اتصل بك منذ شهور..
*جد آسف يا صديقي, لم ألاحظ ذلك.
*أمازلت تنتظر الوظيفة؟؟
أجابه بلهجة تجمع بين التشاؤم والتذمر:
*لم اعد انتظر شيئا يا صديقي..وأنت
هل من أخبار سارة؟؟
*نوعا ما...أريدك أن تزور مشروعي
الصغير انه على ناصية شارعكم.
*طبعا سأفعل, إن شاء الله ,ألف
مبروك.
..قاوم الكسل والكآبة وقرر أن يزور زميله في الدراسة الذي لم يعد ينتظر
الوظيفة بل انشأ كشكا صغيرا لبيع المكسرات والجرائد.
*السلام عليكم.
*وعليكم السلام و رحمة الله
وبركاته.أين أنت يا أخي لقد مضى زمن طويل..
*أنا هنا, دعني اجلس أولا..
*تفضل أهلا وسهلا.
وبينما هما يتبادلان أطراف الحديث
جاء ولد صغير يحمل أكياسا سوداء ممتلئة بالأوراق المستعملة و خاطب صاحب الكشك:
*هلا اشتريت مني هذه الأوراق يا
سيدي ربما احتجتها لبيع المكسرات..
*مع إن الكشك مليء بالأوراق ولكن
هاتها ساخدها منك .
اخذ الأوراق بثمن بخس ووضعها على
الأرض متذمرا...ولكنه فوجئ بضيفه ينتفض من مكانه متجها نحو الأوراق,واخد يتمعنها
والشرارة تتطاير من عينيه ثم خرج مسرعا من الكشك مناديا الطفل الصغير.
*هي ..هي..هي من أين أحضرت هذه
الأوراق؟
وقف الصغير مذعورا و أجابه
متلعثما:
*م م م من قمامة الشركة الجديدة..
مع تحيات ليلى الجوهري
