قصة قصيرة... "وسكتت شهرزاد عن الكلام المباح" للكاتبة ليلى الجوهري




    لمحتها من زجاج نافذة سيارة الأجرة و أنا عائدة الى المنزل منهكة و مثقلة بأعباء الحياة .      
   استقرت عيناي بتلك العينين اللتين جف منهما الدمع  ولم يبق  منهما إلا ذلك  المحيط  الحالك حلكة ليلٍ مظلمٍ و بتقاسيم وجهها التي تحكي قصة الف عمرٍ وعمر...قصة بطلها لا ادري أشهريارا أم شهرزاد ؟.
   كانت تبكي كأن أشواك الأسى تلهب  الأوجاع في قلبها المذاب ؛ قلب افترش  القهر و إلتحف الشقاء . حضرتني ساعتها أبيات ل’’سعا د الصباح.’’
’’رأيتها ملتفة بالسواد
في وجهها ملحمة من حداد
مقروحة الجفن على فلذة
من كبدها طواها الرماد
تشكو وتخلع قلب الجماد’’
   كانت السيدة تتقدم موكبا جنائزيا ترجف له الأبدان وتنكسر له القلوب,أمام العشرات من الرجال والنساء والأطفال هم بترديدهم ’’الله اكبر’’ الله اكبر’’ يضيفون الزيت على فتيل الأسى في ضلوع المرأة الموجوعة .
   تلك المراة ببكائها قد أيقضت بداخلي جرحا كان قدإ ندمل و أرجعتني الى بحر الدموع الذي لا طال ما ضننت أنني اعتزلت السباحة فيه.ولكن ما يثير الإنتباه أن هذه الجنازة مختلفة عن باقي الجنائز,
  إنها جنازة بنعش فارغ ووجهة ليست هي المقبرة ,بل ولاية الأمن.
جلست أتساءل أين المقبرة ؟اين الميت  ؟ هل ولاية الامن هي المقبرة ام المشرحة ؟ أو ربما مستودع الأموات؟...وبين أسئلتي الحائرة وفضولي لمعرفة من الجاني و من المجني عليه , إسترجعت نفسي بصراخ سائق’’ الطاكسي’’ الذي يتذمر من عرقلة السير ويشتكي من تلك المهنة التي ضاق درعا بكثرة متاعبها حسب قوله.    قضيت الليلة كلها افكر في ذلك الوضع الذي رأيت .لم أنس ذلك الوجه المتألم والمتوجع الذي انطوى على هم أعمق...و أنا أتناول فطوري وأقرأ الجريدة أثار انتباهي ذلك المشهد الدرامي المؤلم الذي رأيت ،فإذا بي أنتفض من مكاني متطلعة إلى فهم ما يحصل.

  إن المحرر الذي كتب المقال وكأنه شاهد السيدة بعيني أنا وأحس وجعها بقلبي أنا ،إنه يصف الألم والوجع كما رأيته أنا.
  فهمت من المقال أن السيدة فقدت ابنتها في ظروف  ليست بالغامضة  على الأقل بالنسبة لها.       
  عاشت أسماء في ظروف قاسية جدا بأحد الأحياء الصفيحية بمدينة العرائش مع أربعة اخوة في كنف  أسرة أميسية  لم تعرف  قط معنى الأب مع  أم ذاقت  الأمرين لتعول  أبناءها وسط زخم الحياة وصعوبتها.
  تعرفت أسماء في  سن لم تتعدى السابع عشرة على شاب في ربيع العمر ,ربيع بلون الصفرة وطول ليل الخريف  ،عمر لا ماضي له ولا حاضر وحتما لا مستقبل لإنه دمر كل أزمنته بتعاطيه المخدرات  و النصب والاحتيال و السرقة.
  دخل حياة أسماء فألبسها حريرا من كذب وأسكنها قصرا من هواء, جرفها بحبه و عنفوانه و انحدر بها الى أسفل السفح بعيدا عن المنطق.اعتقد أنه امتلكها كقطعة الذهب التي يسرقها للنساء في الحافلات.
  كان الحي كله يهاب سعيد و يضع له ألف حساب وكان هو يعطي نفسه الحق أن يتحكم بأسماء ويتسلط عليها و يعتبرها زوجته ولا أحد قادر على قول العكس.كان ينتزعها غصبا من أمها كلما خرج من السجن بعد جرائم لا يعلم الناس كيف يفلت من عقوبتها كل مرة . الى أن رزقت أسماء بطفل امتنع الأب عن الإعتراف به فأعلنت الثورة و قررت الهرب من ذلك  الحب المرضي ولجأت الى إمها كي تخبئها هي و الصغير ..
  ما زالت الأم تبحت عن سبيل لورطة ابنتها وتفكر في الإستعانة بأحد الأقارب لإيواء أسماء بعيدا عن سعيد ,حتى سمعت صوتا خشنا كالأسد الغاضب الذي انتزعت منه فريسته.فإذا بالباب المهترئ يتحطم فوق رأسها ورأس أولادها الصغار.وإذا بالزوج المريض يبحت عن ما هو( ملك له).
  أخدت الأم تتشاجر مع سعيد وتحول دون تعذيبه ابنتهاوحفيدها. لكنه لم ينبس بأم كلمة ,جر أسماء من شعرها بعد أن طرح الأم غارقة في دموعها و حسرتها .اضطرت أن تقضي الليلة في البكاء و النحيب و قلة الحيلة الى جانب الطفل الصغير على أمل رؤية فلذة كبدها في الصباح.
 ولكن شاءت الأقدار أن تكون تلك آخر مرة رأت ابنتها تمشي على قدميها ’أقصد مجرورة من شعرها ’ الى أن رأتها جتة هامدة مبرقعة بالكدمات و الخدوش  .أخدها سعيد الى المستشفى صباح ذلك اليوم مدعيا أنها سقطت على الدرج والاطباء أكدوا أن الوفاة تمت نتيجة سقوطها على مؤخرة الرأس وأن الكدمات ما هي  إلا نتيجة تدحرجها على الدرج .
  تلقت الأم الخبر كالصاعقة ولم تصدق تلك الترهات التي قالوا لها .قررت أن تتقدم بشكوى ضد سعيد بشهادة جميع سكان الحي بأنه أخدها عنوة بالضرب و التنكيل ،متضرعة للشرطة طامعة أن يأخد جزاءه  لقاء ما فعل بابنتها و لقاء الرعب والخوف الذي يبته في كل أرجاء الحي.يومها تحركت الشرطة الى الحي لتلقي القبض على سعيد بتهمة قتل أسماء أمام شباب الحي الغاضب.
  استسلمت الأم لقدرها وذهبت لثوري كبدها الثرى وتسقي بدموعها الغالية قبر إبنتها .ودعت أسماء وهي تندب حظ ابنتها الذي لا يتخير عن حظها في هذه الدنيا القاسية.ولكن أكثر ما ذبح صدر الأم أنها وجدت أمامها الشخص الذي حرمها من ابنتها حرا طليقا يتلقى التعازي .
  كيف أفلت بفعلته؟كيف تعاملت الشرطة مع الأمر بهذه السلبية ؟ ...أسئلة دفعت الأم وأتباع الجنازة نحو ولاية الأمن حاملين النعش و الغضب و الحزن و الإستنكار...
  لم أقدر يومها أن أمنع نفسي من البكاء من ثقل ما قرأت بعدما تأكدت أن شهرزاد لم تنجح في رفع الأدى عن بنات جيلها و حتى اليوم لا يزال الرجل هو الملك و هو الجلاد.

توقـيـــع الاستاذة : ليلى الجوهري
تعليقات